الأيام الصعبة في مسيرة محمد عبد المطلب

يتذكر الفنان الكبير محمد عبد المطلب محطات من بداياته الفنية التي لم تكن سهلة، مؤكّدًا أن طريق النجومية لم يُمهّد له بسهولة، بل مرّ بسلسلة من التجارب القاسية التي صقلت شخصيته الفنية وعمّقت خبرته. فقد كان في مطلع حياته طالبًا في معهد الموسيقى، حيث التقى بأستاذه الموسيقار الراحل عبدالوهاب، الذي كان يغني في بعض السهرات الخاصة لطبقات محددة من المجتمع، لكنه كان أيضًا عاطفًا وحنونًا على طلابه، بما فيهم عبد المطلب الشاب، الذي استفاد من توجيهاته ونصائحه.

 

غير أن بقاءه في المعهد لم يدم طويلًا، إذ قرر عبد المطلب تركه والانخراط في تجربة عملية في حي الأزبكية، حيث أحيا حفلة لم تكلل بالنجاح، ما سبب له شعورًا بالخيبة واليأس، رغم أن مرشده الفني كان في تلك الفترة داود حسني، أحد أعلام الموسيقى العربية. ومع ذلك، لم يستسلم، بل لجأ مرة أخرى إلى الأستاذ عبدالوهاب، طالبًا منه فرصة للعمل معه كمذهبجي ضمن “كورس”، ما شكّل خطوة هامة في تطوير قدراته الموسيقية.

 

وبعد ذلك، جاء لحظ غير موفّق آخر، إذ غادر عبدالوهاب التخت وسافر إلى ألمانيا لتصوير فيلمه الشهير “الوردة البيضاء”، تاركًا عبد المطلب أمام تحدٍ جديد. حينها، بتوسط بعض الأصدقاء، حصل على فرصة للعمل مع الفنانة بديعة مصابني براتب متواضع قدره خمسة جنيهات ونصف، وكان من بين زملائه الموسيقيين الكبار المرحوم فريد الأطرش وإبراهيم حمودة، مما أتاح له الانخراط في بيئة فنية غنية بالتجارب.

 

استمرت الصعوبات، إذ حُلّت فرقة بديعة مصابني بعد عام، فتوجه عبد المطلب إلى تونس، حيث اكتسب خبرات إضافية، ثم التقى بـ يحيى اللبابيدي، مدير إذاعة القدس، أثناء عمله مع صديقته المقربة في الإسكندرية، فتحية محمود، وكان فريد الأطرش حاضرًا أيضًا، في قاعة ألف ليلة وليلة بالرمل، ما أضاف إلى مسيرته الفنية بعدًا مهمًا في التعرف على الموجة الفنية الإذاعية.

 

وبعد العودة إلى مصر، لم تتوقف محاولاته، إذ خاطب عبد المطلب أستاذه عبدالوهاب، طالبًا منه التوسط له لدى شركة “بيضافون” للأسطوانات، التي كانت عبدالوهاب له فيها تأثير كبير. وبفضل هذه الوساطة، سجل عبد المطلب ستة أسطوانات بمبلغ 12 جنيهًا، وهو ما مثّل انطلاقة حقيقية لمسيرته الفنية، بعد سلسلة طويلة من التجارب المتنوعة، التي تراوحت بين الإخفاقات والحظوظ المتفاوتة، وكانت كلها عوامل ساعدت على صقل موهبته وتطوير قدراته الصوتية والفنية.

 

من خلال هذه المحطات، يظهر بوضوح أن مسيرة محمد عبد المطلب لم تكن سهلة، لكنها مليئة بالدروس والتحديات التي واجهها بالصبر والإصرار، حتى أصبح من أهم الأصوات التي ميزت الغناء المصري في العصر الحديث، وما زال اسمه يذكر بين كبار الفنانين الذين تجاوزوا الصعاب بالإرادة والعزيمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى